عبد الرحمن بدوي

109

الأفلاطونية المحدثة عند العرب

يا نفس ! إذا دخلت عالم الأحلام فلا تغتبطى به « 1 » ولا بمشاهدته ولا تتحققيه - وإلّا صرت عند اليقظة ضحكة ومسخرة وملهاة « 2 » . يا نفس ! إن عالم الكون والفساد هو عالم الأحلام ، فينبغي أن تتمثّلى أن النائم الحالم فيه إنما هو نائم نوما ثانيا وحالم حلما ثانيا . فإذا استيقظ فإنما هو نائم انتبه « 3 » من نومه العرضىّ ورجع إلى نومه الطبيعي : كرجل أبيض اللون بالطبع عرض « 4 » له الخجل فاحمر لونه ثم رجع بسرعة إلى لونه « 5 » الطبيعي . وكلا اللونين « 6 » يؤول إلى زوال ، غير أن حمرة الخجل هي عرض سريع الزوال ويسمّى حالا « 7 » ، واللون الطبيعي هو عرض ثابت يزول بزوال الطبع . - فعلى هذا القياس قياس النائم الحالم في عالم الطبيعة : إنما « 8 » هو نائم ينام وحالم يحلم ، أعنى أنه في الدنيا نائم بالعرض الثابت ؛ ثم يعرض له النوم بالعرض الغير ثابت : فكأنه إنما اكتسب نوما على نوم ، فإذا انتبه فإنما انتبه « 9 » من نوم إلى نوم . يا نفس ! تيقنى قولي هذا ، واعلمى أنما أنت في هذه الدنيا راقدة ، وأن جميع ما أنت مشاهدة له فيها إنما هو أحلام . وكما أنه يعرض لك النوم الذي هو بالعرض السريع الزوال فتنامين وتحلمين ، فإذا زال ذلك العرض انسلخت من « 10 » جميع الأشياء التي كنت مشاهدة لها انسلاخا كليا ورجعت إلى مشاهدة الأشياء الطبيعية التي هي بالعرض الثابت والتي « 11 » أنت بها أشدّ تحقيقا منك بتلك الأشياء التي هي بالعرض السريع الزوال . فكذلك إذا استيقظت من نومك الطبيعي الذي هو الدنيا ورجعت إلى اليقظة الحقيقية التي هي عالم العقل ،

--> ( 1 ) ص ، س : فلا تغتبطى بمشاهدته ولا تتحققيها . ( 2 ) ب : ومثلة . ( 3 ) ص ، س : ثم أشبه . ( 4 ) ب : فعرض له خجل . ( 5 ) ب : لونه الأول الطبيعي . ( 6 ) ب : وكان اللونان يؤولان إلى زوال . ص ، س : وكلاهما اللونين يؤول زوال ! ( 7 ) ن : وشئ فان . ( 8 ) ص : الطبيعة وإنما الكائن في عالم الطبيعة إنما هو نائم . . . ( 9 ) ص : فإذا انتبه فمن نوم إلى نوم . ( 10 ) ص ، س : من تلك الأشياء . ( 11 ) ص ، س : والتي إرادتها أشد حس منك ( ! )